النجاح وسط التحوّلات

نعم الأمل قائم.. وما زال لدينا الفرصة أن نحوّل مزيدًا من المحن لمنح، بالإدارة الرشيدة وسياسة الاتزان الخارجي وشعب متماسك في جبهته الداخلية وقطاع خاص يرتدي ثوبا جديدا، في كل نسيج داخل هذا الثوب تجد مبادئ الحوكمة والشفافية وحق الوطن والمسئولية المجتمعية وتوظيف العلم واللعب دوليا عبر الحدود 

نعم الأمل قائم وسط صخب الازدحام الدولي سواء بالتحركات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو العسكرية، لكن مصر لديها الفرصة وما زلنا نستطيع

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة الدولية، يبرز دور القطاع الخاص المصري كمحرك رئيسي للاستفادة من فرص غير مسبوقة، مدعومًا بتوازن السياسة الخارجية المصرية وقيادتها البارزة للقارة الأفريقية خلال العقد الأخير 

فمن التقارب الفرنسي الأفريقي الجديد إلى التحركات الأمريكية الصينية بعد أحداث الخليج، مرورًا بقمة السبع القادمة في فرنسا، تتكامل هذه الديناميكيات مع الاستراتيجية الفرنسية الشراكية، والتخطيط الصيني الطويل الأمد، والتحركات الروسية الاقتصادية، لتشكل بيئة مواتية للاقتصاد المصري بالرغم من التحديات الإقليمية والدولية

بدأت التحولات الفرنسية تتبلور بوضوح في قمة «أفريقيا فوروارد» التي عقدت في نيروبي مايو 2026، حيث أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التزامات استثمارية بقيمة 23 مليار يورو (27 مليار دولار)، منها 14 مليار يورو من القطاع الخاص الفرنسي و9 مليارات من الشركاء الأفارقة، موجهة نحو الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والزراعة والرعاية الصحية

هذا التحول يعكس استراتيجية فرنسية جديدة تركز على الشراكات المتساوية بدلًا من المساعدات التقليدية، ويفتح أبوابًا للقطاع الخاص المصري ليكون  الشريك الأساسي والمستقبل للقادم وبوابة لأفريقيا، خاصة مع ما أحرزته مصر خلال فترة قيادتها للاتحاد الأفريقي عام 2019 ورئاستها للكوميسا عام 2021، التي ساهمت في رفع التجارة البينية داخل الكتلة إلى 13 مليار دولار في عام 2022، ودفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الكوميسا إلى 65 مليار دولار عام 202

في السياق نفسه، يدعم التقارب الأمريكي الصيني الذي تجلى في قمة ترامب مع شي خلال مايو 2026 و«التوجه الجديد» نحو التعاون مع منافسة محسوبة لاستقرار سلاسل التوريد العالمية بعد توترات الخليج، مما يعزز الاستثمارات الصينية في مصر عبر مبادرة الحزام والطريق 

وقد بلغت الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نحو نصف 11.6 مليار دولار بين عام 2022 وعام 2025، بينما يصل حجم التجارة الثنائية إلى مستويات تتجاوز 18 مليار دولار سنويًا

أما التحركات الروسية، فتركز على الطاقة النووية كمشروع الضبعة بقيمة 30 مليار دولار، والتجارة الروسية- الافريقية التي بلغت 26 مليار دولار مع أفريقيا عام 2025، مما يفتح فرصًا للشراكات الصناعية والزراعية في مصر كمركز إقليمي ولوجستي إذا أحسنا توظيف واستخدام الموارد المتاحة بالشكل الأمثل ونظمنا الصفوف وانطلقنا أفريقيًّا بنظام ومصفوفة منظمة

وتأتي قمة السبع في إيفيان بفرنسا خلال شهر يونيو 2026، برئاسة فرنسية والتي نتمنى أن تنقل فيها فرنسا رد فعل قمتها الأخيرة ومتطلبات الشارع الاقتصادي الأفريقي الجديد وتركز على التوازنات الاقتصادية العالمية والطاقة والذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي والاستثمارات الخاصة، مدعوة ومدعومة وشريكة لدولًا أفريقية مثل كينيا، لتعزز هذه الديناميكيات

وفي مصر، سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 9.3 مليار دولار في النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مقارنة بـ6 مليارات في الفترة المماثلة سابقًا، مع توقع أن يشكل القطاع الخاص 59% من الاستثمارات الإجمالية البالغة 3.7 تريليون جنيه في 2026/2027، ونمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 5.3% في الربع الأول 

كما ارتفع التبادل التجاري مع فرنسا إلى 2.96 مليار دولار عام 2025 وكلها أرقام تؤكد أن الأمل والفرصة ما زالت قائمة وبشدة أمام القطاع الخاص المصري رغم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية المحلية كالتضخم والديون الإقليمية والسيادية وتذبذب مستوى أداء الجنيه

لكن من وجهة نظري أن هذه التحولات تُعد فرصة ذهبية للاقتصاد المصري. نعم، يمكن أن تكون في صالحه تمامًا، إذ يمنح توازن السياسة الخارجية المصرية التي انتهجتها على مدار 12 عاما –التي جمعت بين الشراكات مع الغرب والشرق والجنوب– ميزة تنافسية فريدة، تحول مصر إلى مركز للتصنيع واللوجستيات والتصدير إلى أسواق أفريقية تضم 1.4 مليار نسمة

في الختام، يتعين على القطاع الخاص المصري تسريع الاستثمار المدروس الجسور والتحلي بصفات الشجاعة الخاصة بالآليات المتعلقة بالاستثمار الدولي، في الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والصناعات الغذائية، عبر تحالفات مشتركة مع الشركاء الفرنسيين والصينيين والروس والامريكان والهنود والألمان والطليان، مع دعم الحكومة لإصلاحات تعزز الحياد التنافسي وتقلل من دور الدولة الإنتاجي وتعظم الدور التنظيمي التشريعي الداعم لمناخ النجاح