أتحدث عن دور التمويل الاستهلاكي ومتناهي الصغر في دفع عجلة الاقتصاد المصري: بين الفرص والمخاطر، وبحكم تجاربي الطويلة خبيرا في التنمية الاقتصادية ومستشارًا مطلعًا على عدد من أنظمة الاستثمار الدولي، فقد تابعت عن كثب تجارب العديد من الدول في مجال التمويل التنموي، ويدفعني الجدل الحاد والمتصاعد الذي يهيمن على الساحة المصرية حاليًا إلى فتح هذا الملف بكل موضوعية وشفافية..
فقد اندلعت مؤخرًا موجة من الشكوك والصراعات بين العاملين في قطاع التمويل الاستهلاكي ومتناهي الصغر، مصحوبة بتحذيرات متكررة أثارت مخاوف مشروعة حول مستقبل هذا القطاع الحيوي.
يأتي هذا المقال ليقدم رؤية متوازنة وعميقة، تسلط الضوء على أهمية الموضوع في ظل النمو السريع لهذه الأنشطة، وتوضح دوره المزدوج “محركًا قويًا للنمو الاقتصادي من ناحية، ومصدرًا محتملًا لمخاطر اجتماعية ومالية جسيمة من ناحية أخرى”.
وفي قلب هذه المخاوف المتصاعدة، تبرز تهديدات حقيقية تستوجب التنبيه الجاد قبل الاحتفاء بالفرص، إذ يمكن أن يؤدي التوسع غير المدروس في التمويل الاستهلاكي، وسط ارتفاع التضخم وأعباء الديون، إلى تراكم الالتزامات على كاهل الأسر المصرية، مما يهدد استقرارها المالي، ويزيد من احتمالية موجة تعثر واسعة في حال حدوث أي صدمة اقتصادية..
كما أن هذه المخاطر قد تعمق الفجوات الاجتماعية، وتحول أداة التنمية المفترضة إلى عبء ثقيل يضغط على الطبقات محدودة الدخل، ويهدد الاستقرار الاقتصادي الكلي.
ومع ذلك، يعود التنظيم المنهجي لهذا القطاع إلى إطار قانوني واضح، حيث صدر القانون رقم 18 لسنة 2020 الذي ينظم التمويل الاستهلاكي للسلع المعمرة والخدمات دون تغطية التمويل العقاري. أما التمويل متناهي الصغر فيخضع للقانون رقم 141 لسنة 2014 وتعديلاته.
ورغم هذا الإطار، تواجه التنفيذ تحديات تنفيذية وقانونية جمة، منها وقف الهيئة العامة للرقابة المالية قبول طلبات التأسيس التقليدية مؤقتًا لضمان الملاءة، وضعف البنية التحتية في المناطق الريفية، بالإضافة إلى مخاطر الاحتيال والتداخل الرقابي.
وبناءً على هذه الخلفية القانونية والتنفيذية، شهد القطاع نموًا ملحوظًا في الأحجام. فقد بلغ حجم محافظ التمويل غير المصرفي 417 مليار جنيه بنهاية 2025، متجاوزًا 9.8 مليون عقد. وسجل التمويل الاستهلاكي 96.3 مليار جنيه بنمو 57% مقارنة بـ61.3 مليار جنيه في 2024، مستفيدًا أكثر من 10.8 مليون عميل عبر 48 شركة مرخصة. أما التمويل متناهي الصغر فقد وصل إلى 106.9 مليار جنيه بنمو 24%.
وبالمقارنة مع التمويل المصرفي التقليدي، تتميز هذه الآليات بسرعة الإجراءات وقلة المستندات المطلوبة، لكنها تحمل فوائد أعلى ومحاذير أكبر، حيث سجلت نسب التعثر أقل من 3%، وتعزى أسبابها الرئيسية إلى التضخم وثقافة الاقتراض وضعف الدخل، ويمكن تلافيها من خلال تقييم مخاطر أفضل وتطبيق التكنولوجيا المالية.
من ناحية أخرى، تكشف المقارنة الدولية عن خصوصية الوضع المصري، إذ ينمو هذا القطاع في مصر بوتيرة أسرع من مثيلاته في مناطق أخرى. ففي الاتحاد الأوروبي، يبلغ حجم التمويل الصغير نحو 3.7 مليار يورو (بيانات 2019) مع تنظيم صارم يحافظ على معدلات تعثر منخفضة.
أما في أفريقيا (شرق وغرب وجنوب) فيصل حجم السوق إلى عشرات المليارات دولارًا لكن مع فوائد مرتفعة (25-34%) ونسب تعثر أعلى بسبب التقلبات الاقتصادية. وفي جنوب شرق آسيا (كإندونيسيا وفيتنام)، يسيطر التمويل الرقمي بنمو يصل إلى 45%، مدعومًا بتكنولوجيا فعالة. يبرز نمو مصر السريع (57% في الاستهلاكي) كفرصة واعدة، لكنه يتطلب تعزيز الاستدامة لتجنب المخاطر.
وبالتالي، يرتبط هذا النوع من التمويل ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الرسمي والشمول المالي، حيث يوسع الوصول إلى الفئات غير المصرفية ويدعم الإنتاج الصغير والاستهلاك. غير أنه قد يزيد من الديون الاستهلاكية إذا لم يُدار بحكمة، خاصة في ظل الضغوط التضخمية الحالية. لذا يُعد هذا التمويل أداة إيجابية في المناخ المصري بشرط وجود رقابة قوية، وإلا تحول إلى تهديد يعمق الاستدانة دون تحقيق نمو اقتصادي حقيقي.
وفي الختام، ولضمان حماية المجتمع مع استمرار التوسع في هذه الأنشطة، أوصي بتعزيز الرقابة على الشروط والفوائد، وتطوير برامج التثقيف المالي الإلزامية، وتشجيع التمويل الرقمي الآمن، مع وضع حدود صارمة للديون الشخصية. كما يجب التركيز على تمويل الإنتاج أكثر من الاستهلاك لتحقيق الاستدامة وتجنب التهديدات التي تحيط بهذا القطاع الحيوي.