كلاكيت عاشر مرة، أزمة السيولة النقدية أثناء العطلات تحدٍّ هيكلي يستدعي تحولًا رقميًا شاملًا
مع اقتراب عيد الأضحى، يتجدد المشهد المألوف في الشوارع المصرية طوابير طويلة أمام ماكينات الصراف الآلي، ازدحام شديد أمام فروع البنوك، وشكاوى متكررة من نقص السيولة النقدية، هذه الأزمة الموسمية ليست ظاهرة عابرة، بل تعكس اختلالًا هيكليًا عميقًا في منظومة التعاملات المالية المصرية.
ويبرز ذلك بوضوح في سوق الماشية والإنتاج الحيواني، الذي يمثل نحو 37% من القيمة الزراعية الإجمالية، حيث يسيطر التعامل النقدي التقليدي، ويقدر حجم معاملات الأضحية في عيد الأضحى بنحو 1.5 مليون رأس ماشية وأغنام (عدد الأضاحي المستهدفة)، بمتوسط سعر 60- 80 ألف جنيه للرأس علي حسب النوعية والفئة، أي إجمالي يتجاوز 120 مليار جنيه في أيام معدودة.
ومن المهم الإشارة إلى أن نحو 60% من إجمالي الأضحية والقيمة يأتي من تربية منزلية بتكاليف ذاتية،حيث لا يحتاج أصحابها إلى سيولة نقدية كبيرة للشراء. ومع ذلك، يظل الدوران النقدي السريع في الجزء التجاري من السوق يفاقم أزمة السيولة، مما يجعل التحول الرقمي ضرورة ملحة لربط التقاليد الثقافية بالكفاءة الاقتصادية الحديثة.
بالطبع شهدت مصر تقدمًا ملحوظًا في منظومة الشمول المالي والدفع الإلكتروني، مدعومًا باستراتيجية البنك المركزي المصري، حيث ارتفع معدل الشمول المالي إلى 77.6% بنهاية 2025، مع 54.7 مليون مواطن يمتلكون حسابات نشطة من إجمالي 70.5 مليون فوق سن 15 عامًا، بنمو يزيد على 219% منذ عام 2016.
وبلغ عدد المحافظ الإلكترونية أكثر من 46 مليون محفظة، فيما تجاوز مستخدمو تطبيق “إنستا باي” 16 مليون مستخدم بنهاية يونيو 2025، محققًا معاملات بقيمة تريليونات الجنيهات. هذا التقدم ساهم في تقليل الاعتماد على النقد تدريجيًا، لكنه لم يقضِ عليه بعد، مما يبقي الأسواق التقليدية، مثل سوق الماشية، عرضة لأزمات السيولة الموسمية المتكررة.
ويحمل الاعتماد المفرط على السيولة النقدية أضرارًا جسيمة على التركيبة الاقتصادية، فهو يعيق قدرة البنك المركزي على ضبط السياسة النقدية بفعالية، ويصعب تتبع التدفقات المالية، ويغذي الاقتصاد غير الرسمي الذي يشكل نحو 55% من النشاط الاقتصادي الآن، كما يزيد من مخاطر السرقة والتزييف، ويرفع تكاليف الإدارة والتوزيع والنقل وتكاليف ماكينات الصرف الآلي، في المقابل، يتيح الدفع الإلكتروني شفافية أعلى، وسرعة في دوران النقود، وتحكمًا أفضل في معدلات التضخم والسيولة.
كما تكشف المقارنة الدولية عمق الفجوة ففي الولايات المتحدة، يمثل الكاش نحو 14-16% من المعاملات (أي حوالي 14-16 من كل 100 مواطن يعتمدون بشكل أساسي على النقد)، أما في منطقة اليورو (الاتحاد الأوروبي) فتبلغ نسبة المعاملات النقدية نحو 22% (22 من كل 100)، رغم انخفاضها التدريجي.
وفي الصين وصلت النسبة إلى نحو 10% فقط (10 من كل 100) بفضل تطبيقاتها الرقمية المتقدمة. أما دول الخليج فتتراوح نسب التعامل بالكاش بين 25-40% (25-40 من كل 100). أما في مصر، فيظل الكاش مهيمنًا على نحو 75-70% من المعاملات اليومية (75-70 من كل 100 مواطن)، خاصة في الأسواق التقليدية، مما يبطئ النشاط الاقتصادي الفعال ويحد من مستويات النمو الشامل والمستدام.
وتكلفة طباعة النقد وعبئها كبيران على الموازنة العامة. تتراوح قدرة وإنتاج مطبعة البنك المركزي بين 700-900 مليون ورقة نقدية سنويًا، مع تكاليف إجمالية سنوية (ورق، حبر، أمان، توزيع، نقل، وصيانة ماكينات الصراف الآلي) تصل إلى مئات الملايين من الجنيهات، بالإضافة إلى خسائر التلف والتزييف..
أما الاستثمار في البنية التحتية للدفع الإلكتروني فيحقق توفيرًا استراتيجيًا ملموسًا، كل زيادة بنسبة 1% في الدفع الرقمي تضيف 1-2% نموًا محتملًا للناتج المحلي الإجمالي، وتقلل العبء على الخزانة العامة بشكل كبير.
يأتي الازدحام على الصرافات قبل العطلات نتيجة صرف المرتبات والمعاشات مسبقًا، وزيادة الطلب في أسواق مثل الماشية فى عيد الاضحي، ورغم نمو المنصات الإلكترونية، يعود بعض المواطنين إلى الكاش لأسباب سيكولوجية، عند الكاش الغالي ببلاش، والشعور بالسيطرة والخصوصية أو خوفًا من انقطاع الخدمة..
أو أما فرض الرسوم على “إنستا باي” فقد أعقب فترة استخدام مجاني ناجحة، ورغم تباطؤ مؤقت في بعض الحالات، استمر النمو الكبير في حجم المعاملات، مما يؤكد أن الفائدة الاقتصادية تفوق التكلفة.
وإذا بقيت المنصات مثل “إنستا باي” مجانية تمامًا، فإن العوائد ستكون هائلة زيادة سريعة في معدلات الشمول المالي، تقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي، تعزيز الشفافية ومكافحة التهرب الضريبي، خفض تكاليف الطباعة والتداول، تحسين كفاءة السياسة النقدية، دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل التجارة في الأسواق التقليدية مثل سوق الماشية، مع بناء ثقة أكبر في النظام المالي الرقمي.
أما سيكولوجيًا، فيمنح الكاش شعورًا بالأمان في معاملات سريعة مثل شراء الماشية وغيرها، لكن الرقمنة تستطيع الحفاظ على هذا الشعور مع إضافة طبقات من الكفاءة والأمان..
وفي الختام، فإننا نؤكد أن التحول نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على النقد ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية ملحة. على الحكومة والبنك المركزي تكثيف الحوافز، خفض الرسوم قدر الإمكان، وتوعية المواطنين لتحويل أزمة العطلات المتكررة إلى فرصة حقيقية لبناء اقتصاد حديث أكثر كفاءة وشمولًا واستدامة.