عذرًا عزيزي الصندوق

ترشيد الإنفاق: هل يبدأ من الحكومة أم يقتصر على المواطن 
في ظل أزمة الطاقة وتكاليف الوفود الدولية؟

في مارس 2026، أعلنت الحكومة المصرية رفع أسعار الوقود بنسبة تتراوح بين 14% و17%، كرد فعل مباشر على إغلاق مضيق هرمز جراء التوترات الإيرانية- الأمريكية- الإسرائيلية 

أدى الإغلاق إلى قفزة أسعار النفط العالمية (برنت تجاوز 100-126 دولارًا للبرميل)، مما رفع التضخم الحضري إلى 15.2% في مارس. وفي إطار برنامج الـ8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي، خفضت الحكومة مخصصات دعم الطاقة بنسبة 20% في مشروع موازنة 2026 /2027، من 150 مليار جنيه إلى 120 مليار جنيه (حوالي 2.28 مليار دولار) 

هذه الإجراءات تهدف إلى ترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد نحو الدعم المستهدف، لكنها تثقل كاهل المواطن البسيط الذي يتحمل ارتفاع تكاليف المعيشة يوميًا

ومع ذلك، يشارك وفد مصري رفيع المستوى في اجتماعات الربيع 2026 لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي (13-18 أبريل في واشنطن). يقدر حجم الوفد بين 40-70 شخصًا (5-6 وزراء + محافظ البنك المركزي + فرق فنية + ممثلون عن القطاع الخاص)

التكلفة التقريبية الإجمالية تتراوح بين 450-750 ألف دولار (22-37 مليون جنيه مصري بسعر صرف حالي)، وتشمل تذاكر الطيران (150-250 ألف دولار)، الإقامة في فنادق خمس نجوم (180-300 ألف دولار)، والمصروفات اليومية واللوجستية (80-150 ألف دولار). هذه الأرقام تقريبية واقعية، مبنية على قراءات تكاليف الوفود المصرية في السنوات السابقة (2023-2025) وليست أرقامًا رسمية مؤكدة من مصادر حكومية

هنا يبرز التناقض الذي يثير عزم الفهم لدى المواطن والمتابع الإعلامي: كيف يُطلب ترشيد الإنفاق الداخلي بينما تستمر الفواتير الباهظة للوفود الخارجية؟ 

الترشيد يجب أن يبدأ من الحكومة نفسها في التطبيق العملي، لا أن يقتصر على زيادة الأسعار والضرائب على المواطن. ففي ظل تأثر النظام المالي العالمي بالحرب والتقلبات الجيوسياسية، لم تعد المشاورات والاتفاقيات وجذب الاستثمارات والشراكات في أفضل حالاتها 

الاجتماعات الدولية تواجه تحديات غير مسبوقة، والعائد المتوقع منها محدود مقارنة بالسنوات السابقة، مما يجعل الإنفاق الكبير غير مبرر تمامًا

مقارنة بدول نامية متوسطة الدخل في ظروف مشابهة تؤكد إمكانية الترشيد. على سبيل المثال، اعتمدت بعض الدول الأفريقية النامية (كينيا وغانا) تحت برامج صندوق النقد ذاتها على تقليص حجم الوفود بنسبة 40% خلال اجتماعات 2024-2025، مع الاكتفاء بـ20-30 شخصًا فقط، واعتماد الفرق الفنية على الاجتماعات الافتراضية

كذلك، طبق المغرب وتونس نموذجًا هجينًا بعد جائحة كوفيد، حيث حضر الوزراء الرئيسيون فقط، وقلصت التكاليف بنسبة 50% دون إخلال بالمشاركة في اللجان الرئيسية. هذه الدول نجحت في الحفاظ على النتائج – متابعة المراجعات المالية ومناقشة البرامج – مع ترشيد حقيقي يعكس الضغوط الداخلية نفسها التي تواجهها مصر

لذا، يمكن تطبيق اقتراحات عملية تحافظ على وظيفة الوفد دون إخلال بها:
أولًا، المشاركة الهجينة عبر تقنيات الاجتماعات الافتراضية للفرق الفنية، مع حضور الوزراء الرئيسيين (المالية، التخطيط، البنك المركزي) فقط

ثانيًا، تصغير الوفد إلى 25-35 شخصًا بالاعتماد على السفارة المصرية في واشنطن والممثلين الدائمين.
ثالثًا، اختيار فنادق متوسطة التكلفة أو شراكات مع الجهات الدولية لتخفيض تكاليف الإقامة.
رابعًا، ربط المشاركة بمؤشرات أداء واضحة مسبقة، مع نشر تقرير شفاف عن التكاليف والمكاسب بعد العودة

في هذا السياق، يطالب عدد من نواب البرلمان بتقديم إحاطة عاجلة أمام لجنة الخطة والموازنة حول مشاركة الوفد المصري: تفاصيل النفقات الفعلية، النتائج المحققة (خاصة فيما يتعلق بشرائح التمويل والاستثمارات)، والخطوات المقترحة للترشيد في المشاركات الدولية المقبلة. هذه الإحاطة ضرورية لتعزيز الشفافية ومحاسبة الحكومة على تطبيق مبدأ الترشيد يبدأ من الأعلى

في الختام، السياسات الاقتصادية يجب أن تكون متسقة. ترشيد الإنفاق الداخلي لا يمكن أن ينجح إلا إذا بدأ من ممارسات الحكومة نفسها، خاصة في ظل أزمة طاقة عالمية ونظام مالي متأثر. المواطن البسيط يستحق أن يرى نموذجًا حكوميًا يعكس ما يُطلب منه، حتى تتحقق الثقة في الرؤية الاقتصادية الكبرى. الترشيد ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية تبدأ بالقدوة

أؤكد أن القدوة والاتساق مع الذات هما أساس الثقة، والثقة هي رأس مال أي إصلاح اقتصادي. وطالما أن الأزمة عالمية والظرف استثنائي، فالمنطق يقول إن أول خطوة للترشيد تبدأ من القمة، لا من قوت الشعوب. بغير ذلك، يتحول خطاب ترشيد الإنفاق إلى شعار أجوف، يفقد معناه وتأثيره مع كل فاتورة باهظة تُدفع من مال المواطن