الصراع الدائم بين “جيب” الحكومة و”جيب” المواطن في العالم الثالث !!
واين ومتى ينتهي ؟
إن الدول التي نجحت في المعادلة المتوازنة لم تطلب من المواطن أن يدفع أولاً، بل جعلت الحكومة تُراجع جيبها بالكامل قبل أن تُراجع جيب المواطن.
في الهند طبقت الحكومة والولايات ضوابط شاملة حيث خُفضت نفقات السفر بنسبة ٢٠-٢٥%، وفُرضت قيود أو حظر على السفر الخارجي في بعض الحالات، وقُلصت أحجام المواكب والسيارات الرسمية، وحُولت نسبة كبيرة من الاجتماعات إلى صيغة افتراضية، وخُفضت مصروفات المؤتمرات والضيافة والاحتفالات، كما رُبطت البدلات والمكافآت بمؤشرات الأداء، وأُعيد توجيه الموارد إلى الحماية الاجتماعية والبرامج الإنتاجية.
فيتنام ركزت على تقليص الإنفاق الجاري غير الضروري بنسبة مستهدفة تصل إلى ١٠% فأكثر حيث شملت الإجراءات خفض ميزانيات المؤتمرات والندوات والرحلات الداخلية والخارجية، مع ترشيد البدلات والنثريات، وتبسيط وتقليص الجهاز الإداري عبر دمج وزارات وهيئات ثم حُولت الوفورات إلى الاستثمار في البنية التحتية والحماية الاجتماعية، مما دعم توسع الطبقة الوسطى مع ارتفاع نصيب الفرد من الناتج الإجمالي.
ماليزيا حددت أعداد المرافقين في الرحلات الخارجية، وقلصت الاحتفالات والمؤتمرات والندوات، وألزمت الجهات باستخدام المباني الحكومية والمشتريات المحلية، وخفضت نفقات الضيافة والهدايا التذكارية ورافقت هذه الإجراءات دعم مستهدف للوقود وتحويلات نقدية، فحافظت على الاستقرار المالي والاجتماعي معاً.
المغرب أصدر توجيهات صريحة بإلغاء أو تقليص النفقات غير الأساسية: السفر والنقل، أساطيل السيارات، الإيجارات والتأثيث، الرحلات الخارجية، الاستقبالات والاحتفالات والمؤتمرات والندوات، والدراسات غير الضرورية ثم رُبطت هذه الإجراءات بتمويل برامج الدعم الاجتماعي المباشر، مما سمح بتوسيع الحماية دون إرهاق للطبقة الوسطى.
هذه الدول اشتركت في قاعدة واحدة: الإنفاق غير المنتج بكل أنواعه (سفريات، مؤتمرات، احتفالات، بدلات، نثريات، وقود، حراسات، معاونين، انتقالات موسمية) ليست اموراً مقدسة، كل بند من ذلك خضع للمراجعة والرقابة والتخفيض، وتحول الوفر إلى حماية ملموسة للمواطن.
ما هو موقع مصر في هذه المعادلة ؟ سعت مصر إلى توسيع شبكات الحماية الاجتماعية واستهدفت ملايين الأسر بالدعم النقدي ،إلا أن بنود الإنفاق الإداري داخل الجهاز الحكومي لا تزال تشكل عبئاً ملحوظاً، فمخصصات مكافآت المستشارين وبدلات الانتقال والسكن المرتبطة بالمقار الجديدة بلغت عشرات الملايين من الدولارات في الموازنات الأخيرة ، كما تستمر تكاليف الإقامات الموسمية والاجتماعات الدولية والمشاركات الخارجية والحراسات والمعاونين والنثريات في استنزاف موارد كان يمكن توجيها مباشرة إلى حماية ومساندة الطبقة الوسطى .
إن الفجوة بين خطاب الترشيد والواقع الإداري لا تزال قائمة بل وتتسع، وتحتاج إلى إجراءات أكثر حسماً وشفافية على غرار التجارب السابقة.
أرى أن هناك نقاط عملية لضبط “جيب” الحكومة اقترح أن تكون على النحو التالي :
٤. نشر تقرير ربع سنوي علني يقارن بين ما وُفر من ضبط الإنفاق الحكومي وما وُجه فعلياً إلى حماية المواطن، مع محاسبة واضحة على أي فجوة.
٦. مراجعة شاملة لأعداد المستشارين والمعاونين والحراسات الخاصة وإعادة هيكلتها وفق معايير الحاجة الفعلية لا للاعتبارات الشكلية.
٥. ربط أي زيادة في أسعار الطاقة ببرنامج تعويض نقدي فوري ومباشر للطبقة الوسطى والدنيا لمدة محددة، يُمول من وفورات الإنفاق غير المنتج.