٣٠ يونيو ” يتجدد الأمل”

مما لا شكَّ فيه أنَّ ثورة ٣٠ يونيو كانت إرادةً شعبيَّةً واضحةً مدعومةً من الوازع الوطنيِّ والضمير الجمعيِّ للشعب المصريِّ الذي استيقظ وانتفض وانقضَّ خوفًا على وطنه وبلده، خرج في حماية قوَّاته المسلَّحة الوطنيَّة عبر كلِّ العصور، رافضًا اختطاف الدولة المصريَّة من عصابة الفاشيَّة الدينيَّة المأجورون الإرهابيُّون الجواسيس
لم يكن هذا التحرُّك والحراك الشعبيُّ مدعومًا إلَّا من القلب والرُّوح والحبِّ والخوف على الوطن، لدرجة أنَّ من لا يتحرَّكون من منازلهم سواء نساء أو شيوخ مسنِّين نزلوا للشارع مؤيِّدين، وتوالى التأييد في ٣ يوليو ثم التأكيد في ٢٦ يوليو لدعم القائد البطل الذي حفر اسمه في صفحةٍ من صفحات التاريخ بأنَّه حمل روحه على يده وقاد الشعب وصفوفه وتخلَّص وخلَّص مصر من عمليَّات القرصنة العفنة والمستقبل اللامعلوم والمصير الصعب

حقيقة الأمر أنَّ كلَّ من أدرك بعقلٍ وعمق ما حدث في الشارع المصريِّ في يناير ٢٠١١ والسقوط الأمنيِّ التامِّ للدولة، وتحمَّل الشعب مسئوليَّة أمن بلاده ذاتيًّا من وازعه الداخليِّ بالتناوب ليل نهار، سوف يتحمَّل كلُّ هؤلاء أيَّ تقصيرٍ أو قصورٍ أو مرارة معيشة من أجل عدم عودة هذا المشهد المهيب الذي ظلَّ أيَّامًا وشهورًا، ومهما قست الأيَّام اقتصاديًّا، أو قصَّرت الحكومات المتعاقبة، إلَّا أنَّ هؤلاء سيتحمَّلون كلَّ التحمُّل من أجل صورة هذا المشهد القبيح القابع في ذهن كلِّ هؤلاء
لكن ماذا عن من كانت أعمارهم في تلك الأيَّام في مستوى الـ٥ و٦ سنوات وغير مدركين، الآن أعمارهم تقترب من الـ١٩ والـ٢٠ عامًا، لم يستوعبوا المشهد وليس لهم أيُّ ذنب، خضعوا لكافَّة أنواع التجارب من تابلِت – لبوكليت – لسقوط شبكة إنترنت أثناء الامتحان – وما إن وصل بهم القطار إلى التعليم الجامعيِّ وجدوا طبقيَّةً وغوغائيَّةً بين حكوميَّة وأهليَّة وتكنولوجيَّة “صحيح جيِّد التعدُّديَّة التعليميَّة”، لكن معظمهم غير مربوط بسوق العمل، ومعظمهم مبنيٌّ على الاكتواء بلهيب أسعار التعليم لأسرٍ مثقلةٍ بالهموم، بين أسعار وقود وطاقة وعلاج ودروس خصوصيَّة ومساكن، فأحذروا كلَّ الحذر من تكوين وتشكيل رصيد وعقليَّة هؤلاء الشباب الذين لا يملكون في ذهنهم صورةً لما حدث في ٢٠١١ ويملكون الآن صورًا متعدِّدةً لمشهدٍ فيه ضعف ورتابة الممارسة السياسيَّة، والواسطة والمحسوبيَّة والرشوة والفساد الإداريِّ وضعف صور سوق العمل، وهم أيضًا خريجون ضعفاء يرفعون معدَّلات البطالة وهم غير مؤهَّلين للعمل ولا للإخلاص لأصحاب الأعمال، وغالبيَّتهم يحتاجون الثراء السريع عبر قطاع السمسرة العقاريَّة أو يصبحوا مديرين أو “فانز” للسوشيال أو “ميك أب آرتيست”…إلخ، عقليَّة وأيديولوجيَّة تشكَّلت ذاتيًّا في غياب الأنظمة، “احذروا هؤلاء”

mostbet

بعد ١٢ عامًا من ثورة ٣٠ يونيو المجيدة نقدِّم الشكر والتقدير والعرفان لكلِّ مصريٍّ وطنيٍّ كان له دور كبير وعظيم في هذه الثورة، لكن السؤال هنا الذي نودُّ أن نطرحه: هل ما زالت مساحة التماسك والوُدِّ والمحبَّة بين الشعب ورجال الشرطة المصريَّة مثل نفس الدرجة التي تحقَّقت يوم ٣٠ يونيو؟ علينا مراجعة هذه المعدَّلات بمنتهى الدقَّة، وشفافيَّة التقارير السياديَّة التي توضع بصدق أمام متَّخذي القرار هي النجاة والمنجي الحقيقيُّ لثبات الجبهة الداخليَّة
قياس حالة الرضا للسلطة القضائيَّة ورجالها أمرٌ هامٌّ وبالغ الخطورة، تنقية مناخ الاستثمار وفكُّ الدولة العميقة في منظمات ومجتمع الأعمال وتفكيك اللوبيهات والشلاليَّة والاعتماد على رجال الأعمال العصاميِّين الشرفاء وفسح المجال أمامهم وتقليص دور الدولة وأجهزتها في الاقتصاد واعتبار أنَّ ما حدث كان مرحلةً عقب مراحل زعزعة استقرار وكُنَّا مضطرِّين، والآن وجب أن نكشف عن سياساتٍ جديدةٍ ناجزةٍ وناجعة

بعد ١٢ عامًا من ثورة ٣٠ يونيو نحتاج ثورةً على التطوير العقاريِّ الذي أفسد اقتصاد مصر شكلًا وموضوعًا وأفسد وأضرَّ بالمجتمع في كلِّ محاوره وطبقاته، بلطجة مطوِّرين إلَّا قلَّةً قليلة، وقوانين إذعان وأكل حقوقٍ وانتهازيَّة لأصول الدولة، وفي النهاية لن يصحَّ ولا يصحُّ إلَّا الصحيح
نحتاج ثورةً على الفساد الإداريِّ، وعلى الإعلام الرديء، وعلى المحلِّيات، وعلى معوِّقات الصناعة والزراعة، وعلى السلوك المروريِّ والانضباط، وعلى الشاشات، وعلى عالم الرياضة وفساد المنظومة الرياضيَّة داخل الأندية والمنتخبات وتحديدًا كرة القدم، وعلى صفحات السوشيال الرسميَّة التي تحتاج مزيدًا من المصداقيَّة
ما زلنا نأمل في حكوماتٍ مختارةٍ بعناية وكفاءات، ولا نختار عناصر تتعلَّم في مقدَّرات الشعب وبعد كلِّ فترة نعطيهم شهادة شكر ونبحث عن غيرهم لندور في نفس الفلك
إصلاح المحلِّيات وإنهاء قواعد البيانات السليمة الصادقة أمرٌ حتميٌّ جدًّا، الإصلاح الداخليُّ هو أساس استقرار مصر وما زلنا بعيدين تمامًا عن بؤرة الهدف
وأؤكِّد أنَّه لا خوف على مصر من الخارج، ومصر ورجالها قادرون على صدِّ أيِّ مؤامرات أو تدابير تُحاك ضدَّها من الخارج، أمَّا الداخل فيحتاج ثورة إداريَّة يقودها الرئيس البطل تشفي غليل وصدور الشعب الذي ما زال يحتاج إلى من يحنو عليه