قد يتساءل البعض مستغرباً: لماذا حضرت وشاركت مصر في هذه القمَّة العربيَّة الطارئة التي دعت إليها قطر على إثر وخلفيَّة الاعتداءات الإسرائيليَّة على الدوحة قبل أقل من أسبوع؟
والإجابة بمنتهى البساطة تتلخَّص في عدد من النقاط الأساسيَّة:
▪️١- على الرغم من كافَّة الممارسات التي مارسها النظام القطري سياسيّاً وإعلاميّاً، وما اتَّخذه من اتِّجاهات عدائيَّة منذ عام ٢٠١٠ ضد مصر وضد قضايا المنطقة والقضايا العربيَّة بشكل عام، إلَّا أن مصر الكبيرة تؤكِّد أن معاملة الكِبار ودور الكبير وقيادة المنطقة ليست أمراً سهلاً، وأن مَن صنَّفه ووصفه التاريخ بالمرجعيَّة والرُّكن المهيب ورمانة الميزان، عليه ألَّا يتخلَّى عن دوره مهما أساء وتطاول الصغير.
▪️٢- قد تغيب البوصلة وتسقط اللعبة السياسيَّة أحياناً، ويلتزم الجميع الصمت أمام تصرُّفات صغيرة، إلَّا أن الثوابت والأعراف والفضائل والمبادئ والأخلاق لا تتجزَّأ عند أصحاب الأصل والعراقة والتاريخ والجذور. فالدعوة التي تخرج من ضعيف مُعتدًى عليه تشبه الاستغاثة من ضعيف أصابه مكروه، وبشيم أهل الفضل والقبائل والعشائر، وبلغة أبناء الشرق، لا يمكن أن تترك الصغير الضعيف يستغيث دون أن تغيثه، فيكفيه ما هو فيه من مصاب جلل وخيبة أمل.
▪️٣- قد يظن البعض أن مصر نسيت أو تناست المعتذرين عن المشاركة في قمم سابقة في أوضاع أكثر حلكة من الآن، أو تناست أو نسيت مَن هم الزعماء دائمو الانسحاب من القمم. لكننا نؤكِّد أن التاريخ لا ينسى، فهو يسجِّل على كل هؤلاء جميع مواقفهم، وسيظل التاريخ واقفاً أمام مصر واسمها وموقفها، مسجِّلاً صفحات ناصعة وحروفاً من نور وشهادات حق كُتبت باسم مصر وأبنائها وأبطالها شهداء وأحياء. ولم ولن تتخلَّى مصر أبداً عن موقفها الأممي والإقليمي والدولي والوطني، فالإيفاء بالعهد والالتزام لا يأتي إلَّا من رجال.
▪️٤- حضرت مصر وسماء الدوحة مؤمَّنة بنسور القوَّات الجويَّة المصريَّة لتؤكِّد أن “مسافة السِّكة” لم تكن شعاراً، وأن العمل وإخلاص النوايا، وأن الدعوة للسلام المؤسَّس على القوَّة والحفاظ على حقوق مصر ومكتسباتها، هو المبدأ الذي لا حياد ولا مناص فيه ولا فرار منه. وأن الشرف العظيم لجيش مصر وقوَّاتها الجويَّة الراعي الرسمي للأمن والأمان لقمة طارئة بها عدد كبير من شخصيَّات رفيعة المستوى وبعض زعماء العالم العربي والإسلامي.
▪️٥- حضرت مصر ليسمع العالم كلُّه الرسالة القويَّة التي يريد أن يرسلها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى شعب إسرائيل، ويؤكِّد لهم بأنَّها رسالة ربما تكون الأخيرة: فلا تلومن إلَّا أنفسكم. وأن ما يُمارَس من أراضيكم وقاداتكم يقوِّض استمرار السلام في المنطقة، ويهدم العهود ويهدِّد الاستقرار، محذِّراً من العواقب الوخيمة، مشيراً إلى أن ما يحدث قد يؤدِّي إلى انهيار السلام والاستقرار ويعصف باتفاقيَّات السلام ويتسبَّب في خسارة ما بُذلَ من الأسلاف من جهد من أجل السلام. وعندها لا ولن ينفع النَّدم. وقالها لهم بمنتهى الوضوح: “الدمار لن يترك أحداً ولن يترك صغيرة أو كبيرة”. وتلك هي أهم رسالة بمنتهى الوضوح للشعب الإسرائيلي، وتلك هي دعوات قادة أبطال الحرب والسلام المرتبطة في أذهاننا بنفس الدعوة التي ساقها الرئيس البطل الشهيد أنور السادات للأم الثكلى في خطابه الشهير في الكنيست الإسرائيلي.
▪️٦- حضرت مصر الحاضرة، وشمس مصر حاضرة ولن تغيب، من أجل كل شبر في أرض وتراب الوطن العربي، مؤمنة بالقضيَّة الفلسطينيَّة وبالأبرياء الفلسطينيين وبأهل غزَّة الضعفاء، مستمرَّة في تقديم كافَّة النداءات للعالم بالحل السلمي وفك الحصار، ومؤكِّدة على جيوش قوافل المساعدات المنتظرة في رفح للعبور إلى الإخوة الفلسطينيين، رافضة التهجير وخراب الأوطان وإذابة القضايا المصيريَّة. وهذا الدور التاريخي لم يتوقَّف ولم ينقطع ولم تتحوَّل فيه مصر قيد أنملة مهما حاولوا قلب الحقيقة.
▪️▪️ نعم، حضرنا جميعاً (الشارع العربي)، وحضرت مصر القائد. وأشد المتفائلين فينا يعلم أن القمَّة لن تخرج بأكثر من بيانات الشجب والإدانة وعدد من الغيابات من الزعماء والقادة. وأن العمالة متجذِّرة، والإخلاص والولاء للبيت الأبيض متوفِّر، والوعود وعقود استمرار الجلوس على كراسي الحكم ممهورة بتوقيع بني صهيون. إلَّا أن ذلك لم يُفقِد مصر وأهلها وقائدها وزعيمها الأمل في أنَّه يمكن أن تعود الروح فجأة وتدب الحياة في عروق رجال القمم، وربما ينتصر الـ١٪ من الأمل على الـ٩٩٪ ممَّا نحن متأكِّدون منه. وسيظل يحذونا الأمل في غدٍ مشرق وليل جديد، ونعلم أن لمصر لها… وبإذن الله نحن قادرون على تحقيق النصر بإذن الله تعالى في هذه المعركة التاريخيَّة القاسية. حضرنا لنؤكِّد أمام العالم أن مساحة الاعتداء من العدو أصبحت من المحيط إلى الخليج، وأن مواجهة البَغْي تحتاج قرارات واتفاقيَّات وتنفيذ عقد جديد معنْوَن بإخلاص النوايا والمصداقيَّة في مواجهة الباغي.
والنصر قادم لا محالة، ألا إن نصر الله قريب.